الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
274
مختصر الامثل
يبق معه إلّانفر قليل ، بينما تركه الذين احتملوا أن يؤدّي قبولهم دعوة المسيح والتقيّد بالقوانين الإلهية إلى ضياع مصالحهم . بعد أن أعلن عيسى دعوته وأثبتها بالأدلة الكافية ، أدرك أنّ جمعاً من بني إسرائيل يصرّون على المعارضة والعصيان ولا يتركون المعاندة والانحراف : « فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ » . فنادى في أصحابه و « قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ » « 1 » . فاستجاب لندائه نفر قليل ، كانوا أطهاراً سمّاهم القرآن ب « الحواريين » لبّوا نداء المسيح ولم يبخلوا بشيء في سبيل نشر أهدافه المقدسة . أعلن الحواريون استعدادهم لتقديم كل عون للمسيح عليه السلام وقالوا : « نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ » . لاحظ أنّ الحواريين قالوا : نحن أنصار اللَّه ننصر دينه . بل لكي يعربوا عن منتهى إيمانهم بالتوحيد وليؤكّدوا إخلاصهم ولم يقولوا : نحن أنصارك . وبعد أن قبل الحواريون دعوة المسيح إلى التعاون معه واتخاذه شاهداً عليهم في إيمانهم ، اتّجهوا إلى اللَّه يعرضون عليه إيمانهم قائلين : « رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ » . ولكن لما كانت دعوى الإيمان لا تكفي وحدها ، فقد اتّبعوا ذلك بقيامهم بتنفيذ أوامر اللَّه واتّباع رسوله المسيح وقالوا مؤكّدين : « وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ » . عندما يتغلغل الإيمان في روح الإنسان لابدّ أن ينعكس ذلك على عمله ، فبدون العمل يكون إدّعاؤه الإيمان تقوّلًا ، لا إيماناً حقيقياً . بعد ذلك طلبوا من اللَّه قائلين « فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ » . والشاهدون هم أولئك الذين لهم صفة قيادة الأمم ، ويوم القيامة يشهدون على أعمال الناس الحسنة والسيئة . وبعد أن إنتهى الحواريون من شرح إيمانهم ، أشاروا إلى خطط اليهود الشيطانية ، وقالوا : إنّ هؤلاء - لكي يقضوا على المسيح عليه السلام وعلى دعوته ويصدّوا انتشار دينه - وضعوا الخطط الماكرة ، إلّاأنّ ما رسمه اللَّه من مكر فاق مكرهم وكان أشدّ تأثيراً : « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ » .
--> ( 1 ) التعبير ب « أحسّ » مع أنّ الكفر أمر باطني لا يدرك بالحواس قد يكون أنّ إصرارهم على الكفر بلغ مرتبة منالشدّة وكأنّه أصبح محسوساً ( الميزان في تفسير القرآن ، ذيل الآية مورد البحث ) .